محمد جمال الدين القاسمي
96
طبقات مشاهير الدمشقيين من أهل القرن الرابع عشر الهجري
الثلث ولذاك الثلثان ، فقرر القاضي ذلك ، وجاءت البراءة بمقتضاه ، وابتدأ شيخنا المترجم في الدرس المذكور سنة ( 1308 ) من المحلّ الذي وقف عليه شيخنا ابن أخيه ، وهو من « صحيح البخاري » باب قوله تعالى : إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ « 1 » من آخر الصحيح ، ولم يزل حتى ختم « الصحيح » سنة ( 1314 ) وابتدأ بقراءته إلى أثناء كتاب العلم ، وكان يحضر درسه المذكور العلماء والأعيان ويدعو له كثيرا من موظفي الحكومة ، ويخلع عليه يوم الختام حسب العادة من الوالي والمشير ، وسما قدره لدى الأكابر وأولي الأمر سموا عظيما وأجلّوه إجلالا باهرا ، وصار يدعى شيخ الشام ، حتى في آخر سنيه صار يقدمه قاضي الشام على نفسه في المحافل ويتأدب معه . وكان يتودّد إلى الأعيان والموظفين ويزورهم ويزورونه ويقبلون رجاه ، ويسعى في قضاء مأرب من يرجوه . ولم يزل على طريقته المثلى ممتعا بصحته وقوته وسمعه وبصره على ضعف اعتراه فيه إلى أن فجعت الشام به خامس شوال سنة ( 1320 ) وذلك في مرض الوباء الذي نزل بالشام في أواخر شعبان وبقي بها أشهرا وذهب ، قدّس سره ، يوم رابع شوال لرد زيارة العيد لبعض جيرانه وأرحامه ثم عاد وتغدى قبيل الظهر ، ثم أخذ في القيلولة على عادته واستيقظ قبيل العصر ، فشرع في الوضوء لصلاة الظهر ، فبعد أن صلّى قاء ، ثم اعتراه إسهال نحوا من مرتين وتغيّر مزاجه ، وصلّى العصر والمغرب والعشاء بجماعة في بيته ، وازداد انحرافه فأحضرت له الأطباء فسكّنوا روعه ، ووضعوا له علاج الوباء فتناوله ، وبذلوا الجهد في كل ما يقدرون عليه فلم ينجع شيء ، وأخذ يغيب ويفيق ، ثم أدرك من نفسه الإشراف على الدار الآخرة ، فأخذ يذكر اللّه كلما صحا وأوصى ،
--> ( 1 ) سورة الأعراف : الآية ( 56 ) .